السبت، 9 أبريل 2016

الحلقة الواحدة و العشرون

ظل أبو شوكت وحيدا في الغرفة ، ارتخى على كرسيه كأنه يستعد للموت بجلطة دماغية ، هذا القذر أوشك على قتلي ، قالها في نفسه ، ما هذا الجيل اللعين الذي ابتلينا به!؟ ، جيل الفيسبوك و الواكس و السبايكي و الأضرب من ذلك جيل المظاهرات و الحرية ، استرجع أبو شوكت شريط حياته ، كيف كان شابا قويا يعمل في حقل والده و والده يكيل له الضرب و الشتم و الإهانات حتى ضاق ذرعا بكل القهر و الفقر و الاحتقار الذي يعانيه ، كان يخرج كل يوم للحقول و هو يقسم أنه سينتقم يوما ما ، سينتقم من أبيه الذي يضربه ، و من معلم القرية الذي يهزأ بجهله و غبائه ، من الفتاة التي رفضت حبه و أهدرت كرامته ، و من كل الذين سخروا منه ، بل ومن المجتمع الذي يعامله كما يعاملون المجذومين في العصور الوسطى ، و حينها اتخذ قراره ، جمع ما يملك من ثياب بالية ، و سرق من أبيه مبلغ ثلاثين ليرة هو كل ما كان قد ادخره ، و هرب نحو المدينة ليتطوع في المخابرات ، حينها كانت سوريا تغلي و تفور تحت حافظ الأسد ، فعناصر الطليعة المقاتلة التنظيم الذي أنشأه الشيخ مروان حديد أحالت حياة البعثيين جحيماً ، كانوا يتسللون إلى غرف نوم زبانية النظام و يقتلونهم على أسرتهم ثم يعودون كأنهم لم يكونوا ، ثم جاءت العملية البطولية عملية مدرسة المدفعية ، حيث تمكن عناصر الطليعة من قتل 264 طالب نصيري في مدرسة المدفعية ، وقاد هذه العملية البطل إبراهيم اليوسف و مما زاد النظام غيظاً ، أن إبراهيم اليوسف نقيب في الجيش السوري و عضو عامل في حزب البعث ، و أطلق الأسد الأب كلابه لتنهش في لحم الشعب ، و طبعا كان أبو شوكت منها ، حيث عمل جلاداً في فرع أمن الدولة في حلب ، كان عمله متنفساً له لإخراج كل أمراضه و انحرافاته النفسية ، و بعد انتهاء ثورة الطليعة و تمكن الأسد الأب من اغتصاب كامل سوريا لنفسه ، حينها فقط بدأت معاناته ، بدأت الكوابيس تغزوه في نومه ، كوابيس بشعة يرى فيها أوجه ضحاياه و هي تلاحقه ، ثم يرى أنه في جهنم يسحل من زبانيتها كما فعل بالمسلمين ظلماً و عدواناً ، و دخل دوامة من الأطباء النفسيين و الجسديين ، و دجالي الطب الشعبي و المعالجين بالجان ، أنفق ما جمع من الحرام عليهم و لم يستفد شيئ ، ثم جاء خلافه مع أحد صغار الضباط النصيريين ليكون ذروة الآلام ، فرمى به في فرع الأمن العسكري ليصير هو الضحية بعد أن كان الجلاد.
أكثر ما حز بنفسه في معتقله ، هو أنه بعد أن خدم النظام خمساً و عشرين سنة كان جزاؤه فيها التعذيب و السجن و الإهانة من ضابط بعمر أولاده!؟
خرج بعدها ليتجرع مرارة الوحدة ، فهو لا أب لديه لا أم لا زوجة لا ولد لا صديق ، فكر بالانتحار أكثر من مرة ، إلى أن ساقته الأقدار لأحد المسؤولين الذي أبلى له نعاله بتقبيلها ليعطوه وظيفة يستر بها نفسه بعد طول المخازي و الفضائح خاصة أنه قد جاوز الخمسين من عمره.
أخيرا وظفوه في مبنى حزب البعث في جامعة حلب ، وظفوه كمخبر على باقي الموظفين الذين هم أساساً مخبرين للنظام ، لكنها دولة البعث التي تحارب البطالة عبر تجنيد الناس ليتجسسوا على بعضهم.
كل ذلك تذكره متحسراً ، ثم بعدها جاء عصر الربيع العربي ليحطم الأصنام التي عبدها أبو شوكت و زمرته ، بل و قتلوا الناس و عذبوهم ليعبدوها ، ليقف اليوم شاب يافع بعمر أحفاده ليهدده بأنه قادر على أن يشعل البلد إن مُسَّ بسوء! ياليتني مت قبل هذا! أي ذل أنا فيه؟ أشقيت نفسي و بددت عمري هباءً منثورا!!!! لكن أبا شوكت يدرك في قرارة نفسه أن هذا الشاب من طينة خاصة ، هذا الشاب ذكره بمن أخافه يوما ما حتى الموت ، لمح في وجهه صورة مروان حديد و عدنان عقلة ، هذا الشاب من نفس بذرة أولئك ، حياته في أقبية المخابرات أكسبته حاسة شم حدسية لا تخطأ.
أغمض عينيه متمتماً أعوذ بالله من هذا و أمثاله.

يتبع بإذن الله.....


#يوميات_فاشل
#الحلقة_الواحدة_والعشرون
#بقلم_جاد_ الحق



j.a.h

الحلقة العشرون

انتهت المحاضرة ، تسابق الطلاب الباب متدافعين للخروج نحو الحرية بعد محاضرة أشبه ما تكون بضرب السياط ، كان لا يزال في مقعده شارد الذهن بما ينتظره ، أخذ دفتره الوحيد الذي يصحبه في كل المحاضرات ، طبعا لا يسجل عليه حرف مما يقوله الدكاترة ، إنما هو للمحاولات الأدبية الفاشلة ، وللجلوس عليه خوفا من إتساخ البنطال ، و لتسجيل نتائج التريكس و الطرنيب ، والأهم لإعطائه صورة الطالب الملتزم المثابر الذي لا يرى إلا من منزله لكليته و من كليته لمنزله و وحده الله يعرف ما يوجد في الطريق بين هذين المكانين.
حين قام لينصرف حانت منه نظرة إليها ، وجدها تنظر إليه بعينين حانيتين ، أحس أنها  تقتحم عالمه الذي بناه و تحصن فيه ، شعر بدفء غريب يسري في كيانه ، ليس دفءً حرارياً ، لكنه من نوع آخر ، هو دفء روحي عذب ، ودعها بعينيه و انطلق مسرعاً إلى مبنى حزب البعث في الجامعة ، كان يتلو المعوذات و آية الكرسي و يجهز نفسه لأبشع التوقعات ، دخل المبنى ليطالعه رجل ضئيل الحجم ، أصلع الرأس ، في عينيه نظرة شيطانية مقززة ، أخبره أن لديه مراجعة من أجل بطاقته الجامعية ، سأله عن اسمه فأجابه ، فالتمعت عيني الرجل الشيطانيتين بنظرة حاقدة و أخبره أن الرفيق أبو شوكت بانتظاره.
دخل غرفة أبو شوكت و هو يتخيله رجلا ضخما صارما له هيئة المجرمين ، كانت الغرفة فارغة لذلك جلس على أحد المقاعد ينتظر أبا شوكت ، بعد قليل فتح الباب بهدوء و دخل رجل مربوع القامة أشيب الشعر و عليه هيئة المجرمين كما توقع ، عرف أنه أبو شوكت
دخل أبو شوكت و جلس خلف المكتب و تظاهر أن الغرفة فارغة و لم يعره أي اهتمام ، طبعا هي لعبة تحطيم الأعصاب التقليدية التي يتبعها رجال الأمن ، قال لنفسه بعد تصرف أبو شوكت المتذاكي
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ثم أسند رأسه على المقعد و أغمض عينيه متظاهرا بالإغفاء ، ظل طيلة ربع ساعة مغمضا عينيه حتى بدأ يسأم الوضع ، ثم أحس يدا تهزه بغلظة ففتح عينيه متثاقلا ، ليجد أبو شوكت يصرخ في وجهه بأن هذا المكان ليس فندقا أو مستراحا ، كان يصرخ و يصرخ ، إذا إنها لعبة ثانية من الألاعيب النفسية ، يريد أبو شوكت أن يشتته نفسيا عبر التهديد و الصراخ و الضغط ، ليفقد تماسك أعصابه و ينهار ، لكنه خيبه للمرة الثانية و ظل هادئا ساكنا تعلو على وجهه ابتسامة غبية ، أحس أبو شوكت أن من أمامه خصم قوي لا يستهان به ، ليس كغيره من البسطاء الذين يتلذذ أبو شوكت بإذلالهم و إرعابهم ، خفض من صوته سائلاً له عن اسمه ، أجابه بهدوء و لا مبالاة ، صار يسأله أسئلة روتينية و هو يجيب عنها بهدوء مستفز و إجابات قصيرة على قدر السؤال ، سأله أبو شوكت عن سبب وجوده ، حكا له القصة باختصار شديد ، ملاسنة بيني و بين الدكتور انتهت بأخذه بطاقتي و مطالبته لي بمراجعة فرع الحزب ، ضحك أبو شوكت ضحكة تشبه ضحكات الأشرار بأفلام الكرتون ، و قال له بهذه البساطة!!!
تحول صوته إلى ما يشبه فحيح الأفاعي و أعاد عليه بالحرف ما دار بينه و بين الدكتور ، ثم أخبره أن كلامه جريمة وطنية لا تغتفر ، و أن مستقبله و مستقبل أسرته في خطر ، طبعا هو يعي هذا الأمر فالعبث مع العقارب أهون من العبث مع النظام السوري البعثي ذو السمعة الإجرامية العالمية ، ظل صامتا و هو يسمع تهديدات أبا شوكت له ، و هنا قرر بنفسه المواجهة ، صمت أبو شوكت معجبا بعنجهيته ، هنا تكلم خصمه بأنه مصمم على كلامه و لا ينكره و لا يعتذر عنه!
جن جنون أبو شوكت ، و عقد الذهول لسانه ، هل هذا الشاب مجنون؟ هل يتعاطى المخدرات؟ هل هو طبيعي؟ لكنه لم يمهل أبو شوكت كثيرا حتى قال له أن المظاهرات و المظاهر الاحتجاجية الشعبية بدأت تنتشر بكل سوريا ، حتى في حلب التي يخشى النظام تحركها ، و لذلك فإن أي تصرف أمني ضده سيكون فتيلة قد تشعل المجتمع المحلي في حلب ، و ربما تتسرب لقنوات الإعلام ، و مواقع التواصل الاجتماعي و يتحول هو لأيقونة ثورية كخالد سعيد أو البوعزيزي تحرك الشباب ضد النظام.
أحس أبو شوكت لأول مرة في حياته أنه حشرة ضعيفة ، أو فأر مذعور يتوارى في  فتحات المجاري ، حقاً أن هذا الشاب شيطان إنسي ، لقد استطاع بهدوئه و قوة أعصابه و ذكائه أن يقلب الطاولة عليه ، فجأة تحول أبو شوكت إلى دور الأب الرحيم الشفوق ، و بدأ بمحاضرة عن الوطن و الشباب و دوره و سعي الأعداء إلى استغلال حماسة الشباب و ......إلخ بعد نصف ساعة من الكلام الفارغ أعاد له بطاقته و تشكره و أخبره أنه سعيد بالتعرف عليه ، رد عليه بعبارات شكر باهتة ثم أولاه ظهره و خرج بهدوء من المكتب و هو يبتسم ابتسامة الظفر.
إذا لم يستطع فقط أن يخرج سالما من وكر البعث ، بل استطاع أيضا أن يوجه صفعة قوية للنظام السوري ما كان أحد يصدق أن يأتي زمان و تحصل به.

يتبع بإذن الله ......


#يوميات_فاشل
#الحلقة_العشرون
#بقلم_جاد_الحق



j.a.h

الحلقة التاسعة عشر

نزل الدرج واثق الخطوة ثابت الجنان ، حتى إذا صار بقرب الدكتور أخرج بطاقته الجامعية من جيبه بلامبالاة و تكاسل و وضعها أمامه ، ثم فتح باب المدرج و خرج بنفس الثقة و أغلقه خلفه بهدوء ، و بعد أن صار خارج المدرج شعر بأن الدنيا تلف به بتواتر ألف دورة بالثانية ، و أصبحت رؤيته ضبابية زائغة ، و شعر بألم يفتك برأسه كأن أحدا يدقه بمطرقة حداد.
استند على الجدار ، مستجمعا ما تبقى من قوته ، ثم أغلق عينيه و بدأ يتنفس بعمق محاولا استعادة السيطرة على نفسه.
( كلا إن معي ربي سيهدين ) تلا هذه الآية في نفسه مرات و مرات مستشعرا عظمتها ، قالها موسى عليه الصلاة و السلام لما كان البحر أمامه و فرعون خلفه ، في مثل هذه المواقف تصدر النفوس عما أوردته من إيمان و كل إناء بما فيه ينضح ، بنو إسرائيل قالوا إنا مدركون! أي أن الأمر انقضى و بعد لحظات سيقطع فرعون دابرنا ، ذلك لأنهم رأو المشهد من الزاوية المادية الأرضية الضيقة و كل يراه بحسب إيمانه ، أما موسى عليه الصلاة و السلام قال لهم : ( كلا إن معي ربي سيهدين ) بمثل هذا اليقين بالله تتلقى الحادثات و ما كان جزاء ذاك اليقين إلا أن فلق الله البحر لموسى عليه الصلاة و السلام و من معه ، بل و جعل سبب نجاتهم هو نفسه سبب إهلاك عدوهم.
عاد منزله لينام مبكرا ، قبيل نومه فكر بالمعضلة ثم تركها لله حين رآها أكبر من قدرته ، و نام بعمق و هو لا يدري أن هناك من لم ينم لأجله ، و قد سهر ليله باكيا حزينا داعيا ضارعا لله أن ينجيه مما ينتظره في غد ، طبعا جميعنا يعرف من هو ذاك الشخص ، و هل يسهر لهم الحبيب إلا حبيبه!؟
ألا قاتل الله الحب كم عز أقواما بنومهم و أذل آخرين بسهدهم!!
استيقظ لصلاة الفجر نشيطا مرحا ، صلى و تلا ما يسر الله له من قرآن ، و حين حل موعد الذهاب للجامعة جهز أموره و توكل على الله بعد أن سلمه أمره و تيقن أن ما أصابه لم يكن ليخطأه و ما أخطأه لم يكن ليصيبه.
دخل المدرج متأخرا عن المحاضرة كعادته ، و فتحت عليه جبهة من آلاف الأعين التي تلاحقه بفضول و ترقب ، و لكنه كان غير مبال بكل هذه العيون إلا عينان فقط ، عينان هما بلسم روحه ، و إكسير قلبه ، عينان هما من يهون عليه مصائبه ، و يهمسان له أن في هذه الدنيا ما تستحق أن تعيش و تضحي لأجله ، إنهما عيناها ، و حين التقت الأعين ببعضها ، أحس بشرارة تلهب قلبه ، و قشعريرة تدب بجسده ، لقد أحس أن لهذه النظرة منها مذاقا مختلفا ، و رائحة فريدة ، طبعا لو كان للنظرات مذاقا و رائحة.
أحس بعاطفة ما منها نحوه ، أحس أنها فكرت به ، و للتحديد أحس ان قلبها قد فكر به و رددت نبضاته اسمه.
و حين وجد مقعدا خاليا جلس به محدقا نحو اللوح ، شاردا بما ينتظره بعد المحاضرة في المبنى الرهيب الذي سمع الكثير عنه و عمن به و طبعا كلها مسموعات لا تسر خاطرا ، و لا تريح بالا ، إنه مبنى الحزب ذاك الحزب المجرم المسمى حزب البعث!.

يتبع بإذن الله.......

#يوميات_فاشل
#الحلقة_التاسعة_عشر
#بقلم_جاد_الحق



j.a.h

الحلقة الثامنة عشر

هنا توقف قلبها عن الخفقان و تجمد الدم في أوردتها ، أيعقل أن إنسانا يكون بهذه البرودة من الأعصاب!؟
لا بد أنه إما مخبر و هذه تمثيلية متفق عليها ، أو مجنون ، أو مدعوم.
لكن تصرفات الدكتور و غضبه و لغة جسده تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الموقف حقيقي
و ردوده على الدكتور لا تدل على ضعف عقلي أو خلل نفسي بل العكس تماما ، تدل على قوة الشخصية و العقل و الشجاعة ، و الأهم تدل على أنه صاحب مبدأ.
و حقيقة كونه مدعوم فمهما كانت واسطته كبيرة فإن هكذا مواقف لا تنفع بها كبر واسطة و قوتها.
إذا لم يبق سوى أنه إنسان شجاع صاحب مبدأ ، بل هو مسلم حقيقي يأبى الصغار و الهوان ، و لا تأخذه في الله لومة لائم ، ينصر دينه و إخوانه بالصدوع بالحق في وجه من ظلمهم ، عندها فقط أحست أن قلبها عاود النبض لكن بنغم مختلف ، نغم تغنت به الأكوان و رقصت به الأفلاك ، نغم جعله الله في خلقه لتدور به الأرض حول الشمس و القمر حول الأرض ، و تحنو به الأم على طفلها ، و تألف أزواج الحمام به بعضها ، و تتجاذب به الذرات المختلفة فيما بينها ، إنه ذلك الشعور الخرافي الواقعي الذي سمعت به كثيرا ، و رأته في لطف الله في خلقه أكثر
إنه الحب........
كلمة من حرفين فقط ، اختصرت كل المشاعر و المعاني ، و جمعت كل التناقضات.
عادت منزلها ساهمة الفكر ، شاردة البال ، كسيفة الحال ، تفكر بشجون عن مصير حبيبها الذي فقدته حين وجدته ، و وجدت نفسها تبكي بحرقة و هي تدعو الله له بالنجاة و الحماية ، و كل ما تذكرت الموقف ازدادت حرقة ، و ازدادت نار الحب بها استعارا ، و أكبرت موقف هذا الشاب البطل الذي ذكرها بغلام أصحاب الأخدود ، الذي وقف في وجه الملك الكافر الطاغية ، و ضحى بحياته في سبيل أن يزكي شعلة الإيمان في قلوب قومه......
كل هذا جرى لها و هو ببساطة لا يعلم لأنه لو علم لما عاد للقصة طعم أو معنى ، و لكنت أنا الآن أحدثكم عن الدرر الذهبية في طبخ الملوخية ، أو أضيع وقتكم بأي شيئ آخر ، على العموم كان لا يعلم لأن شغله الشاغل كان أن ينجو من المستنقع الذي أدخل نفسه فيه و لو أنه وسعه السكوت كغيره من جماهير الشعب الساكتة المستكينة المدجنة التي تتباهى بالمشي الحيط الحيط و تقول يا رب السترة ، بل و تنقل هذه الثقافة من جيل إلى جيل ليستمر مسلسل الفشل و الوهن العربي ، و لكن كيف يسكت و هو يرى الظلم؟ كيف يسكت و يستكين و هو مسلم أعزه الله بالإسلام؟ كيف يسكت و يحني هامته و هو حفيد من علموا الناس أن ترفع هاماتها ولا تحنيها إلا لمن خلقها ، حفيد من دكوا عروش الظلم و أخرجوا الناس من عبادة العباد ، إلى عبادة رب العباد......
يتبع بإذن الله.......
#يوميات_فاشل
#الحلقة_الثامنة_عشر
#بقلم_جاد_الحق



j.a.h

الحلقة السابعة عشر

البوعزيزي يشعل النار بنفسه ليحرق بها طغاة أمة العرب ، ذلك الشاب التونسي الذي لم يعرف الشهرة و الأضواء إلا في أيامه الأخيرة ، ذلك الشاب الذي أوصله اليأس من التغيير و الإصلاح لأن يعبر عن غضبه بحرق نفسه ليشعل في أمة العرب مراجل الحمية و العزة التي أطفأنا نيرانها من زمان بعيد ، و حمل أحرار تونس شعلة البوعزيزي ، ليسيروا بها في درب الثورة المجيد و فعلا جاء اليوم الذي ظنه الجميع ضربا من خيال ، و هرب طاغية تونس بن علي ، فاستبشر الأحرار من كل العرب خيرا ، إذا فهم معشر الطغاة ليسوا آلهة كما كانوا يلقنوننا ، إذا فهم ليسوا خالدين ، إذا فهم يهابون هبة الشعوب التي طالما سحقوها.
و من تونس عبرت شعلة البوعزيزي إلى مصر ، و التهبت الثورة في مصر ضد طاغيتها حسني حمارك ، ليخرج نائبه عمر سليمان يعلن تنحيه و على وجهه أمارات الذهول و الصدمة كأنما فجع بأعز حبيب ، و عبرت الشعلة لليمن لتحرق علي عبد الله صالح طاغوت اليمن و يستمر مسلسل البهدلة للزعماء الطواغيت الذين جعلوا شعوبهم يتخذونهم عجولا للعبادة كعجل بني إسرائيل ، ثم جاء دور ليبيا لتحط بها الشعلة ، فالتهبت ليبيا ضد طاغيتها القذافي و أصبح طغاة العرب ينامون و يصحون ببيجامات و أحذية الرياضة و حقيبة ملابسهم قرب أسرتهم معدين أنفسهم للهروب في أية لحظة ، فالربيع الذي طالما أخروه و قتلوا زهوره قد حان موعده كما أراد الله ليخزيهم في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم.
و في سوريا كان الهدوء الذي يسبق العاصفة سيد الموقف ، النظام السوري أحس نوعا ما بالخطر ، فأطلق للناس جزءا من الحرية أصغر من حجم ذرة الهيدروجين ، و الشعب ينظر للمشهد بذهول ، أسحر أهذا أم أنكم لا تبصرون!!
بدأ بعض الشباب يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي خاصة الصفحات التي تغطي أخبار الربيع العربي ، و بدأت مصطلحات تسمع لأول مرة في سوريا البعث بالتداول ، مصطلحات ظن البعث أنه قد اجتثها بفروعه الأمنية و سياسته القمعية من قاموس السوريين للأبد ، مصطلحات كالحرية و العدل و المساواة و المظاهرات و الثورة و رفع حالة الطوارئ إلى آخر القائمة الجديدة.
و فعلا بدأت الإرهاصات بمظاهرة عفوية في حي الحريقة بمدينة دمشق بعد مشاجرة بين أحد المجرمين من عناصر المخابرات السورية و مواطن عادي ، و تحولت المشاكلة إلى مظاهرة ضمت المئات ليهتفوا ضد الأمن السوري حرامية حرامية و الشعب السوري ما بينذل.
ثم جاءت حادثة أبطال درعا لا أطفال درعا الذين عبروا جحيم الخوف السوري ، و كتبوا على الجدارن حرية و يسقط ابن بائع الجولان.
و طبعا كالعادة كان تعامل المخابرات السورية معهم كما عودتنا من مزيج الإجرام و الغباء لديها لتكون كالكلبة براقش التي جنت على أهلها.
و اشتعلت حوران الأبية و لبتها بانياس و اللاذقية و حمص.
وردت تعليمات لدكاترة الجامعة الحزبيين بإعطاء محاضرات توجيه سياسي لطلاب الجامعة بغية تحييدهم عما يجري.
و فعلا دخل أحدهم المدرج ليعتذر عن المحاضرة في مادته اليوم و أن محاضرة اليوم ستكون عن الوطن!!!!!
طبعا هي كأنثى لم تهتم كثيرا بما جرى ، فقط حزنت على مناظر القتل و الاعتقال و التعذيب و فرحت بخلع الطغاة ، أما بالنسبة لسوريا فقد كانت كأي مواطن سوري يخاف من المخابرات السورية أكثر من خوفه من الله رغم أنها بفطرتها السليمة العفوية تعرف أن النظام السوري أقذر نظام على وجه الأرض و تدعوا الله في سرها أن يبدل سوريا خيرا منه.
بدأ الدكتور حديثه بالإشادة برموز الوثن عفوا أقصد الوطن و هم جلالة الرئيس و جلالة والده و قداسة الحزب الحاكم و بنفس الوقت يضلل و يسفه و يكفر كل من تسول نفسه أن يجدع أنف هذه الأصنام التي صنعت بشعبها ما ترفعت عنه اليهود ، و أثناء حديثه حانت منها التفاتة لوجه ذلك الشاب الذي أثار إعجابها و دغدغ مشاعرها ، رأت وجهه كأنه يلتهب جمرا ، حتى أصابها الفزع منه و سرت في جسدها قشعريرة من منظره ، لقد رأت الكثيرين من الغاضبين لكنها لم تعتد على غاضب وجهه هكذا ، خاصة أن من طبعه الابتسام و الهدوء و الميل للمرح.
و بينما تنظر إليه إذ وقف في آخر المدرج و صاح بالدكتور: و لكني مع أطفال درعا ، و جاءت جملته كصاعقة شلت جميع من في المدرج بدءا بها و انتهاء بالدكتور.
ازدرد الدكتور لعابه في محاولة لكظم غيظ أوشك على قتله و سأله بابتسامة صفراء: ولم يا ولدي؟
_ دكتور ألست بعثيا؟
_بلا.
_أليست الحرية حق مكفول في الدستور لكل مواطن؟
أليست الحرية من أهداف حزب البعث؟
و هنا بهت الدكتور لأن هذا الطالب الذي بعمر أبنائه قد ألجمه أمام مئات الطلاب و الطالبات.
مسح الدكتور جبينه و حاول أن يغير مجرى الحديث ليوجهه نحو أهداف حزب البعث و منجزاته في سوريا.
وقف ذلك الطالب مرة أخرى و سأل الدكتور بنبرة ساخرة: و ماذا حقق البعث طوال خمسين سنة من حكمه لسوريا من أهدافه التي يتغنى بها؟
مع أي دولة عربية حقق لنا الوحدة؟ أين الحرية و سوريا معلن فيها حالة الطوارئ من أول يوم لسلطة البعث إلى الآن؟ أين الاشتراكية و ثروات البلد بيد طغمة صغيرة موزعة بين الحاكم و عائلته و من دار في فلكهم؟
ما أنتم إلا كما قال الشاعر:
وحدويّون! والبلادُ شـظايا        كـلُّ جزءٍ من لحمها أجزاء!
ُاشتراكيونَ! والجماهيرُ تشقى   فلماذا لا يشبـعُ الفقـراءُ؟
ناصريون! أين ولى نصرهم      يوم داست على الخدود الحذاء؟
و هنا انقطع خيط الصبر بالدكتور و ظهر وجهه المخابراتي البعثي الأصيل ، و طلب من ذلك الشاب أن يسلمه بطاقته الجامعية و أن عليه إذا شاء استردادها مراجعة فرع الحزب في الجامعة.
ارتجفت أوصال الطلبة ، ففرع حزب الجامعة ما هو إلا فرع مخابرات اختصاصه ملاحقة طلاب الجامعة ، بل يجب تغيير اسمه إلى فرع الأمن الجامعي أو المخابرات الجامعية.
نزل الطالب بكل لامبالاة و هدوء أعصاب ليسلم بطاقته ثم يتوجه لباب المدرج يفتحه ويخرج ببرود و كأن شيئا لم يكن.
يتبع بإذن الله.........
#يوميات_فاشل
#الحلقة_السابعة_عشر
#بقلم_جاد_الحق



j.a.h