ظل أبو شوكت وحيدا في الغرفة ، ارتخى على كرسيه كأنه يستعد للموت بجلطة دماغية ، هذا القذر أوشك على قتلي ، قالها في نفسه ، ما هذا الجيل اللعين الذي ابتلينا به!؟ ، جيل الفيسبوك و الواكس و السبايكي و الأضرب من ذلك جيل المظاهرات و الحرية ، استرجع أبو شوكت شريط حياته ، كيف كان شابا قويا يعمل في حقل والده و والده يكيل له الضرب و الشتم و الإهانات حتى ضاق ذرعا بكل القهر و الفقر و الاحتقار الذي يعانيه ، كان يخرج كل يوم للحقول و هو يقسم أنه سينتقم يوما ما ، سينتقم من أبيه الذي يضربه ، و من معلم القرية الذي يهزأ بجهله و غبائه ، من الفتاة التي رفضت حبه و أهدرت كرامته ، و من كل الذين سخروا منه ، بل ومن المجتمع الذي يعامله كما يعاملون المجذومين في العصور الوسطى ، و حينها اتخذ قراره ، جمع ما يملك من ثياب بالية ، و سرق من أبيه مبلغ ثلاثين ليرة هو كل ما كان قد ادخره ، و هرب نحو المدينة ليتطوع في المخابرات ، حينها كانت سوريا تغلي و تفور تحت حافظ الأسد ، فعناصر الطليعة المقاتلة التنظيم الذي أنشأه الشيخ مروان حديد أحالت حياة البعثيين جحيماً ، كانوا يتسللون إلى غرف نوم زبانية النظام و يقتلونهم على أسرتهم ثم يعودون كأنهم لم يكونوا ، ثم جاءت العملية البطولية عملية مدرسة المدفعية ، حيث تمكن عناصر الطليعة من قتل 264 طالب نصيري في مدرسة المدفعية ، وقاد هذه العملية البطل إبراهيم اليوسف و مما زاد النظام غيظاً ، أن إبراهيم اليوسف نقيب في الجيش السوري و عضو عامل في حزب البعث ، و أطلق الأسد الأب كلابه لتنهش في لحم الشعب ، و طبعا كان أبو شوكت منها ، حيث عمل جلاداً في فرع أمن الدولة في حلب ، كان عمله متنفساً له لإخراج كل أمراضه و انحرافاته النفسية ، و بعد انتهاء ثورة الطليعة و تمكن الأسد الأب من اغتصاب كامل سوريا لنفسه ، حينها فقط بدأت معاناته ، بدأت الكوابيس تغزوه في نومه ، كوابيس بشعة يرى فيها أوجه ضحاياه و هي تلاحقه ، ثم يرى أنه في جهنم يسحل من زبانيتها كما فعل بالمسلمين ظلماً و عدواناً ، و دخل دوامة من الأطباء النفسيين و الجسديين ، و دجالي الطب الشعبي و المعالجين بالجان ، أنفق ما جمع من الحرام عليهم و لم يستفد شيئ ، ثم جاء خلافه مع أحد صغار الضباط النصيريين ليكون ذروة الآلام ، فرمى به في فرع الأمن العسكري ليصير هو الضحية بعد أن كان الجلاد.
أكثر ما حز بنفسه في معتقله ، هو أنه بعد أن خدم النظام خمساً و عشرين سنة كان جزاؤه فيها التعذيب و السجن و الإهانة من ضابط بعمر أولاده!؟
خرج بعدها ليتجرع مرارة الوحدة ، فهو لا أب لديه لا أم لا زوجة لا ولد لا صديق ، فكر بالانتحار أكثر من مرة ، إلى أن ساقته الأقدار لأحد المسؤولين الذي أبلى له نعاله بتقبيلها ليعطوه وظيفة يستر بها نفسه بعد طول المخازي و الفضائح خاصة أنه قد جاوز الخمسين من عمره.
أخيرا وظفوه في مبنى حزب البعث في جامعة حلب ، وظفوه كمخبر على باقي الموظفين الذين هم أساساً مخبرين للنظام ، لكنها دولة البعث التي تحارب البطالة عبر تجنيد الناس ليتجسسوا على بعضهم.
كل ذلك تذكره متحسراً ، ثم بعدها جاء عصر الربيع العربي ليحطم الأصنام التي عبدها أبو شوكت و زمرته ، بل و قتلوا الناس و عذبوهم ليعبدوها ، ليقف اليوم شاب يافع بعمر أحفاده ليهدده بأنه قادر على أن يشعل البلد إن مُسَّ بسوء! ياليتني مت قبل هذا! أي ذل أنا فيه؟ أشقيت نفسي و بددت عمري هباءً منثورا!!!! لكن أبا شوكت يدرك في قرارة نفسه أن هذا الشاب من طينة خاصة ، هذا الشاب ذكره بمن أخافه يوما ما حتى الموت ، لمح في وجهه صورة مروان حديد و عدنان عقلة ، هذا الشاب من نفس بذرة أولئك ، حياته في أقبية المخابرات أكسبته حاسة شم حدسية لا تخطأ.
أغمض عينيه متمتماً أعوذ بالله من هذا و أمثاله.
يتبع بإذن الله.....
#يوميات_فاشل
#الحلقة_الواحدة_والعشرون
#بقلم_جاد_ الحق
j.a.h
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق