البوعزيزي يشعل النار بنفسه ليحرق بها طغاة أمة العرب ، ذلك الشاب التونسي الذي لم يعرف الشهرة و الأضواء إلا في أيامه الأخيرة ، ذلك الشاب الذي أوصله اليأس من التغيير و الإصلاح لأن يعبر عن غضبه بحرق نفسه ليشعل في أمة العرب مراجل الحمية و العزة التي أطفأنا نيرانها من زمان بعيد ، و حمل أحرار تونس شعلة البوعزيزي ، ليسيروا بها في درب الثورة المجيد و فعلا جاء اليوم الذي ظنه الجميع ضربا من خيال ، و هرب طاغية تونس بن علي ، فاستبشر الأحرار من كل العرب خيرا ، إذا فهم معشر الطغاة ليسوا آلهة كما كانوا يلقنوننا ، إذا فهم ليسوا خالدين ، إذا فهم يهابون هبة الشعوب التي طالما سحقوها.
و من تونس عبرت شعلة البوعزيزي إلى مصر ، و التهبت الثورة في مصر ضد طاغيتها حسني حمارك ، ليخرج نائبه عمر سليمان يعلن تنحيه و على وجهه أمارات الذهول و الصدمة كأنما فجع بأعز حبيب ، و عبرت الشعلة لليمن لتحرق علي عبد الله صالح طاغوت اليمن و يستمر مسلسل البهدلة للزعماء الطواغيت الذين جعلوا شعوبهم يتخذونهم عجولا للعبادة كعجل بني إسرائيل ، ثم جاء دور ليبيا لتحط بها الشعلة ، فالتهبت ليبيا ضد طاغيتها القذافي و أصبح طغاة العرب ينامون و يصحون ببيجامات و أحذية الرياضة و حقيبة ملابسهم قرب أسرتهم معدين أنفسهم للهروب في أية لحظة ، فالربيع الذي طالما أخروه و قتلوا زهوره قد حان موعده كما أراد الله ليخزيهم في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم.
و في سوريا كان الهدوء الذي يسبق العاصفة سيد الموقف ، النظام السوري أحس نوعا ما بالخطر ، فأطلق للناس جزءا من الحرية أصغر من حجم ذرة الهيدروجين ، و الشعب ينظر للمشهد بذهول ، أسحر أهذا أم أنكم لا تبصرون!!
بدأ بعض الشباب يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي خاصة الصفحات التي تغطي أخبار الربيع العربي ، و بدأت مصطلحات تسمع لأول مرة في سوريا البعث بالتداول ، مصطلحات ظن البعث أنه قد اجتثها بفروعه الأمنية و سياسته القمعية من قاموس السوريين للأبد ، مصطلحات كالحرية و العدل و المساواة و المظاهرات و الثورة و رفع حالة الطوارئ إلى آخر القائمة الجديدة.
و فعلا بدأت الإرهاصات بمظاهرة عفوية في حي الحريقة بمدينة دمشق بعد مشاجرة بين أحد المجرمين من عناصر المخابرات السورية و مواطن عادي ، و تحولت المشاكلة إلى مظاهرة ضمت المئات ليهتفوا ضد الأمن السوري حرامية حرامية و الشعب السوري ما بينذل.
ثم جاءت حادثة أبطال درعا لا أطفال درعا الذين عبروا جحيم الخوف السوري ، و كتبوا على الجدارن حرية و يسقط ابن بائع الجولان.
و طبعا كالعادة كان تعامل المخابرات السورية معهم كما عودتنا من مزيج الإجرام و الغباء لديها لتكون كالكلبة براقش التي جنت على أهلها.
و اشتعلت حوران الأبية و لبتها بانياس و اللاذقية و حمص.
وردت تعليمات لدكاترة الجامعة الحزبيين بإعطاء محاضرات توجيه سياسي لطلاب الجامعة بغية تحييدهم عما يجري.
و فعلا دخل أحدهم المدرج ليعتذر عن المحاضرة في مادته اليوم و أن محاضرة اليوم ستكون عن الوطن!!!!!
طبعا هي كأنثى لم تهتم كثيرا بما جرى ، فقط حزنت على مناظر القتل و الاعتقال و التعذيب و فرحت بخلع الطغاة ، أما بالنسبة لسوريا فقد كانت كأي مواطن سوري يخاف من المخابرات السورية أكثر من خوفه من الله رغم أنها بفطرتها السليمة العفوية تعرف أن النظام السوري أقذر نظام على وجه الأرض و تدعوا الله في سرها أن يبدل سوريا خيرا منه.
بدأ الدكتور حديثه بالإشادة برموز الوثن عفوا أقصد الوطن و هم جلالة الرئيس و جلالة والده و قداسة الحزب الحاكم و بنفس الوقت يضلل و يسفه و يكفر كل من تسول نفسه أن يجدع أنف هذه الأصنام التي صنعت بشعبها ما ترفعت عنه اليهود ، و أثناء حديثه حانت منها التفاتة لوجه ذلك الشاب الذي أثار إعجابها و دغدغ مشاعرها ، رأت وجهه كأنه يلتهب جمرا ، حتى أصابها الفزع منه و سرت في جسدها قشعريرة من منظره ، لقد رأت الكثيرين من الغاضبين لكنها لم تعتد على غاضب وجهه هكذا ، خاصة أن من طبعه الابتسام و الهدوء و الميل للمرح.
و بينما تنظر إليه إذ وقف في آخر المدرج و صاح بالدكتور: و لكني مع أطفال درعا ، و جاءت جملته كصاعقة شلت جميع من في المدرج بدءا بها و انتهاء بالدكتور.
ازدرد الدكتور لعابه في محاولة لكظم غيظ أوشك على قتله و سأله بابتسامة صفراء: ولم يا ولدي؟
_ دكتور ألست بعثيا؟
_بلا.
_أليست الحرية حق مكفول في الدستور لكل مواطن؟
أليست الحرية من أهداف حزب البعث؟
و هنا بهت الدكتور لأن هذا الطالب الذي بعمر أبنائه قد ألجمه أمام مئات الطلاب و الطالبات.
مسح الدكتور جبينه و حاول أن يغير مجرى الحديث ليوجهه نحو أهداف حزب البعث و منجزاته في سوريا.
وقف ذلك الطالب مرة أخرى و سأل الدكتور بنبرة ساخرة: و ماذا حقق البعث طوال خمسين سنة من حكمه لسوريا من أهدافه التي يتغنى بها؟
مع أي دولة عربية حقق لنا الوحدة؟ أين الحرية و سوريا معلن فيها حالة الطوارئ من أول يوم لسلطة البعث إلى الآن؟ أين الاشتراكية و ثروات البلد بيد طغمة صغيرة موزعة بين الحاكم و عائلته و من دار في فلكهم؟
ما أنتم إلا كما قال الشاعر:
وحدويّون! والبلادُ شـظايا كـلُّ جزءٍ من لحمها أجزاء!
ُاشتراكيونَ! والجماهيرُ تشقى فلماذا لا يشبـعُ الفقـراءُ؟
ناصريون! أين ولى نصرهم يوم داست على الخدود الحذاء؟
و هنا انقطع خيط الصبر بالدكتور و ظهر وجهه المخابراتي البعثي الأصيل ، و طلب من ذلك الشاب أن يسلمه بطاقته الجامعية و أن عليه إذا شاء استردادها مراجعة فرع الحزب في الجامعة.
ارتجفت أوصال الطلبة ، ففرع حزب الجامعة ما هو إلا فرع مخابرات اختصاصه ملاحقة طلاب الجامعة ، بل يجب تغيير اسمه إلى فرع الأمن الجامعي أو المخابرات الجامعية.
نزل الطالب بكل لامبالاة و هدوء أعصاب ليسلم بطاقته ثم يتوجه لباب المدرج يفتحه ويخرج ببرود و كأن شيئا لم يكن.
يتبع بإذن الله.........
#يوميات_فاشل
#الحلقة_السابعة_عشر
#بقلم_جاد_الحق
j.a.h
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق