السبت، 9 أبريل 2016

الحلقة التاسعة عشر

نزل الدرج واثق الخطوة ثابت الجنان ، حتى إذا صار بقرب الدكتور أخرج بطاقته الجامعية من جيبه بلامبالاة و تكاسل و وضعها أمامه ، ثم فتح باب المدرج و خرج بنفس الثقة و أغلقه خلفه بهدوء ، و بعد أن صار خارج المدرج شعر بأن الدنيا تلف به بتواتر ألف دورة بالثانية ، و أصبحت رؤيته ضبابية زائغة ، و شعر بألم يفتك برأسه كأن أحدا يدقه بمطرقة حداد.
استند على الجدار ، مستجمعا ما تبقى من قوته ، ثم أغلق عينيه و بدأ يتنفس بعمق محاولا استعادة السيطرة على نفسه.
( كلا إن معي ربي سيهدين ) تلا هذه الآية في نفسه مرات و مرات مستشعرا عظمتها ، قالها موسى عليه الصلاة و السلام لما كان البحر أمامه و فرعون خلفه ، في مثل هذه المواقف تصدر النفوس عما أوردته من إيمان و كل إناء بما فيه ينضح ، بنو إسرائيل قالوا إنا مدركون! أي أن الأمر انقضى و بعد لحظات سيقطع فرعون دابرنا ، ذلك لأنهم رأو المشهد من الزاوية المادية الأرضية الضيقة و كل يراه بحسب إيمانه ، أما موسى عليه الصلاة و السلام قال لهم : ( كلا إن معي ربي سيهدين ) بمثل هذا اليقين بالله تتلقى الحادثات و ما كان جزاء ذاك اليقين إلا أن فلق الله البحر لموسى عليه الصلاة و السلام و من معه ، بل و جعل سبب نجاتهم هو نفسه سبب إهلاك عدوهم.
عاد منزله لينام مبكرا ، قبيل نومه فكر بالمعضلة ثم تركها لله حين رآها أكبر من قدرته ، و نام بعمق و هو لا يدري أن هناك من لم ينم لأجله ، و قد سهر ليله باكيا حزينا داعيا ضارعا لله أن ينجيه مما ينتظره في غد ، طبعا جميعنا يعرف من هو ذاك الشخص ، و هل يسهر لهم الحبيب إلا حبيبه!؟
ألا قاتل الله الحب كم عز أقواما بنومهم و أذل آخرين بسهدهم!!
استيقظ لصلاة الفجر نشيطا مرحا ، صلى و تلا ما يسر الله له من قرآن ، و حين حل موعد الذهاب للجامعة جهز أموره و توكل على الله بعد أن سلمه أمره و تيقن أن ما أصابه لم يكن ليخطأه و ما أخطأه لم يكن ليصيبه.
دخل المدرج متأخرا عن المحاضرة كعادته ، و فتحت عليه جبهة من آلاف الأعين التي تلاحقه بفضول و ترقب ، و لكنه كان غير مبال بكل هذه العيون إلا عينان فقط ، عينان هما بلسم روحه ، و إكسير قلبه ، عينان هما من يهون عليه مصائبه ، و يهمسان له أن في هذه الدنيا ما تستحق أن تعيش و تضحي لأجله ، إنهما عيناها ، و حين التقت الأعين ببعضها ، أحس بشرارة تلهب قلبه ، و قشعريرة تدب بجسده ، لقد أحس أن لهذه النظرة منها مذاقا مختلفا ، و رائحة فريدة ، طبعا لو كان للنظرات مذاقا و رائحة.
أحس بعاطفة ما منها نحوه ، أحس أنها فكرت به ، و للتحديد أحس ان قلبها قد فكر به و رددت نبضاته اسمه.
و حين وجد مقعدا خاليا جلس به محدقا نحو اللوح ، شاردا بما ينتظره بعد المحاضرة في المبنى الرهيب الذي سمع الكثير عنه و عمن به و طبعا كلها مسموعات لا تسر خاطرا ، و لا تريح بالا ، إنه مبنى الحزب ذاك الحزب المجرم المسمى حزب البعث!.

يتبع بإذن الله.......

#يوميات_فاشل
#الحلقة_التاسعة_عشر
#بقلم_جاد_الحق



j.a.h

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق