السبت، 9 أبريل 2016

الحلقة العشرون

انتهت المحاضرة ، تسابق الطلاب الباب متدافعين للخروج نحو الحرية بعد محاضرة أشبه ما تكون بضرب السياط ، كان لا يزال في مقعده شارد الذهن بما ينتظره ، أخذ دفتره الوحيد الذي يصحبه في كل المحاضرات ، طبعا لا يسجل عليه حرف مما يقوله الدكاترة ، إنما هو للمحاولات الأدبية الفاشلة ، وللجلوس عليه خوفا من إتساخ البنطال ، و لتسجيل نتائج التريكس و الطرنيب ، والأهم لإعطائه صورة الطالب الملتزم المثابر الذي لا يرى إلا من منزله لكليته و من كليته لمنزله و وحده الله يعرف ما يوجد في الطريق بين هذين المكانين.
حين قام لينصرف حانت منه نظرة إليها ، وجدها تنظر إليه بعينين حانيتين ، أحس أنها  تقتحم عالمه الذي بناه و تحصن فيه ، شعر بدفء غريب يسري في كيانه ، ليس دفءً حرارياً ، لكنه من نوع آخر ، هو دفء روحي عذب ، ودعها بعينيه و انطلق مسرعاً إلى مبنى حزب البعث في الجامعة ، كان يتلو المعوذات و آية الكرسي و يجهز نفسه لأبشع التوقعات ، دخل المبنى ليطالعه رجل ضئيل الحجم ، أصلع الرأس ، في عينيه نظرة شيطانية مقززة ، أخبره أن لديه مراجعة من أجل بطاقته الجامعية ، سأله عن اسمه فأجابه ، فالتمعت عيني الرجل الشيطانيتين بنظرة حاقدة و أخبره أن الرفيق أبو شوكت بانتظاره.
دخل غرفة أبو شوكت و هو يتخيله رجلا ضخما صارما له هيئة المجرمين ، كانت الغرفة فارغة لذلك جلس على أحد المقاعد ينتظر أبا شوكت ، بعد قليل فتح الباب بهدوء و دخل رجل مربوع القامة أشيب الشعر و عليه هيئة المجرمين كما توقع ، عرف أنه أبو شوكت
دخل أبو شوكت و جلس خلف المكتب و تظاهر أن الغرفة فارغة و لم يعره أي اهتمام ، طبعا هي لعبة تحطيم الأعصاب التقليدية التي يتبعها رجال الأمن ، قال لنفسه بعد تصرف أبو شوكت المتذاكي
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ثم أسند رأسه على المقعد و أغمض عينيه متظاهرا بالإغفاء ، ظل طيلة ربع ساعة مغمضا عينيه حتى بدأ يسأم الوضع ، ثم أحس يدا تهزه بغلظة ففتح عينيه متثاقلا ، ليجد أبو شوكت يصرخ في وجهه بأن هذا المكان ليس فندقا أو مستراحا ، كان يصرخ و يصرخ ، إذا إنها لعبة ثانية من الألاعيب النفسية ، يريد أبو شوكت أن يشتته نفسيا عبر التهديد و الصراخ و الضغط ، ليفقد تماسك أعصابه و ينهار ، لكنه خيبه للمرة الثانية و ظل هادئا ساكنا تعلو على وجهه ابتسامة غبية ، أحس أبو شوكت أن من أمامه خصم قوي لا يستهان به ، ليس كغيره من البسطاء الذين يتلذذ أبو شوكت بإذلالهم و إرعابهم ، خفض من صوته سائلاً له عن اسمه ، أجابه بهدوء و لا مبالاة ، صار يسأله أسئلة روتينية و هو يجيب عنها بهدوء مستفز و إجابات قصيرة على قدر السؤال ، سأله أبو شوكت عن سبب وجوده ، حكا له القصة باختصار شديد ، ملاسنة بيني و بين الدكتور انتهت بأخذه بطاقتي و مطالبته لي بمراجعة فرع الحزب ، ضحك أبو شوكت ضحكة تشبه ضحكات الأشرار بأفلام الكرتون ، و قال له بهذه البساطة!!!
تحول صوته إلى ما يشبه فحيح الأفاعي و أعاد عليه بالحرف ما دار بينه و بين الدكتور ، ثم أخبره أن كلامه جريمة وطنية لا تغتفر ، و أن مستقبله و مستقبل أسرته في خطر ، طبعا هو يعي هذا الأمر فالعبث مع العقارب أهون من العبث مع النظام السوري البعثي ذو السمعة الإجرامية العالمية ، ظل صامتا و هو يسمع تهديدات أبا شوكت له ، و هنا قرر بنفسه المواجهة ، صمت أبو شوكت معجبا بعنجهيته ، هنا تكلم خصمه بأنه مصمم على كلامه و لا ينكره و لا يعتذر عنه!
جن جنون أبو شوكت ، و عقد الذهول لسانه ، هل هذا الشاب مجنون؟ هل يتعاطى المخدرات؟ هل هو طبيعي؟ لكنه لم يمهل أبو شوكت كثيرا حتى قال له أن المظاهرات و المظاهر الاحتجاجية الشعبية بدأت تنتشر بكل سوريا ، حتى في حلب التي يخشى النظام تحركها ، و لذلك فإن أي تصرف أمني ضده سيكون فتيلة قد تشعل المجتمع المحلي في حلب ، و ربما تتسرب لقنوات الإعلام ، و مواقع التواصل الاجتماعي و يتحول هو لأيقونة ثورية كخالد سعيد أو البوعزيزي تحرك الشباب ضد النظام.
أحس أبو شوكت لأول مرة في حياته أنه حشرة ضعيفة ، أو فأر مذعور يتوارى في  فتحات المجاري ، حقاً أن هذا الشاب شيطان إنسي ، لقد استطاع بهدوئه و قوة أعصابه و ذكائه أن يقلب الطاولة عليه ، فجأة تحول أبو شوكت إلى دور الأب الرحيم الشفوق ، و بدأ بمحاضرة عن الوطن و الشباب و دوره و سعي الأعداء إلى استغلال حماسة الشباب و ......إلخ بعد نصف ساعة من الكلام الفارغ أعاد له بطاقته و تشكره و أخبره أنه سعيد بالتعرف عليه ، رد عليه بعبارات شكر باهتة ثم أولاه ظهره و خرج بهدوء من المكتب و هو يبتسم ابتسامة الظفر.
إذا لم يستطع فقط أن يخرج سالما من وكر البعث ، بل استطاع أيضا أن يوجه صفعة قوية للنظام السوري ما كان أحد يصدق أن يأتي زمان و تحصل به.

يتبع بإذن الله ......


#يوميات_فاشل
#الحلقة_العشرون
#بقلم_جاد_الحق



j.a.h

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق