الجمعة، 14 أغسطس 2015

الحلقة الخامسة

و يا للأسف قد انتهت المحاضرة !
انتهت كحلم جميل في ليلة صيف هادئة ، انتهت كأغنية عذبة ترنمت بها الأكوان فثمل بها العمر.
لكم تمنيت أن تطول هذه المحاضرة إلى نفخة الصعق ، هذه أول مرة تكتشف أن وقت ساعتان قليل جدا لهكذا محاضرة بعد أن كنت تقول أن هكذا محاضرة لا تستحق من وقت العاقل أكثر من عشر دقائق.
تزاحم الطلبة على باب المدرج للخروج بينما هي تتريث حتى ينتهي الزحام كي تخرج من غير أن تحتك بأحد ، موقف يذكرك بابنتي شعيب عليه السلام حين قالتا لموسى عليه السلام لا نسقي حتى يصدر الرعاء أي أنهما لا يسقيان غنمهما حتى ينتهي باقي الرعاة من سقي أغنامهم حتى لا تختلط الفتاتان الطاهرتان سليلتا بيت الرسالة بالرجال.
بينما أنت غارق في بحور الحب و الافتتان و المواقف القرآنية و الأدب النبوي
إذ تفاجأ بصوت أشبه ما يكون بمدمن حشيش عمره 50 عام لكنه مدمن على سجائر الحشيش منذ 80 عام يقول لك الصوت صباح الخير تلتفت ببطء و أنت تظن أنك ستقابل المجرم المشهور الخط الصعيدي صاحب السوابق وأمير المطاريد لكنك ترى فتاة أشبه ما تكون بممثلات المسرح الياباني الهزلي لكثرة ما تضع من بودرة مبيضة حتى ظننتها أنها تعمل بورشة بناء و قد انفجر بوجهها أحد أكياس الاسمنت.
ترد أنت بعصبية: نعم!؟
تقول لك: هل بإمكاني أن أستعير دفترك؟
لا حول و لا قوة إلا بالله رغم أننا في القرن الحادي و العشرين إلا أن خدعة التطبيق الشهيرة بين الشباب و البنات و هي استعارة الدفتر لا تزال مستعملة ،
إنها خدعة قديمة جدا من أيام اختراع الكتابة فتستطيع أن تتخيل أن شابا من حضارة سومر في العراق يطلب الرقم الفخاري الذي كان بديل الدفتر حينها من زميلته في جامعة أور ، أو فتاة في مصر الفرعونية تطلب استعارة ورقة البردي من زميلها في جامعة ممفيس ، و حتى لو أصبحنا في القرن الثاني و العشرين و استغنينا عن الورق و الدفاتر و استبدلناها بأجهزة لوحية ليزرية لرأيت نفس السيناريو حول إمكانية الاستعارة يتكرر.
ترد أنت عليها بنفس أسلوبك البغيض: لااااااااااااا.
و تمط بها فمك و تطيل بها صوتك و تفتح بها حلقك لتفهم منك أنها لا نافية جازمة ناهية.
تنظر إليك نظرة تكاد تحرقك و تدير ظهرها و هي تتمتم ببضع شتائم لك من العيار الثقيل تدل على مستواها الحضاري و الثقافي الرائع.
طبعا هذا الوقت الضائع كان كفيلا لأن تكون فاتنتك قد صارت في بيتها.
تخرج أنت من المدرج و أنت تحوقل و تسترجع بعد المقارنة العنيفة بين نموذجين بشريين رأيتهما الآن ، ثم تقرر أن تودع أصدقاءك بعد لقاء قصير معهم لتجلس مع نفسك قليلا حتى تسترجع أكثر ذكرى أثيرة لديك.
يومها كنت طالبا في بداية السنة الأولى مليئا بالحيوية و الأمل ككل طلاب الجامعة الجدد الذين لم يعوا بعد حجم الكارثة التي وقعوا بها ، كنت تظن الجامعة صرحا للعلم المفيد و الثقافة الراقية و العلاقات الاجتماعية الفاضلة و كم خاب ظنك حين وجدتها صرحا للملل و الإسفاف العلمي و الإسهال الثقافي والفكري و القمع البوليسي ، كان الجو خريفيا غائما يحمل بدايات لسعات برد الشتاء التي لم تشتد بعد و كنت في طريقك لأداء فرض الصلاة في مصلى الكلية و كما أن للإنسان ملائكة موكلون به يسجلون له الخير و الشر فهناك لكل مسجد أو مصلى وكلاء من البشر يسجلون من يدخل إليه و يخرج منه.
تصعد الطابق الثاني للكلية الخالي على عروشه أغلب الوقت لتكمل سفرك نحو المصلى الذي يوشك أن لا يعرفه أحد لقلة المصلين من شبابنا للأسف و لموقعه المنعزل في هضبة التيبت و لو تمكنت إدارة الجامعة من وضعه في مثلث برمودا لما توانت ، فجأة يفتح باب عن يسارك لتلتفت لا إراديا و ترى تلك الفتاة التي تسوي نقابها ثم تفاجأت بوجودك و ارتبكت و سقط النقاب من يدها ليكشف وجها كأنه الحسن صاغه الله وجها ثم تتدارك الموقف وتغطي وجهها بيدها و تسرع بمشية هي أقرب منها للعدو منها إلى المشي و هنا تتذكر قول النابغة الذبياني:
سَقَطَ النّصيفُ، ولم تُرِدْ إسقاطَهُ، فتناولتهُ ، واتقتنا باليدِ
بمُخَضَّبٍ رَخْصٍ، كأنّ بنانَهُ عنم على أغصانه لم يعقدِ
تلك كانت الشرارة التي أشعلت في نفسك أوار الحب.
تدخل المصلى لتصلي فلا تدري كم صليت و لا كيف صليت و كأن مسكين الدارمي قد رأى ما جرى بينكما من مئات السنين فقال:
قُلْ للمَليحَةِ في الخِمارِ الأسودِ -- ماذا فَعَلتِ بِزاهِدٍ مُتَعبِّدِ
قَد كان شَمَّرَ للصلاةِ إزارَهُ -- حَتى قَعَدتِ لَه بِبابِ المَسجدِ
رُدِّي عَلَيهِ صَلاتَهُ وصيامَهُ -- لا تَقتُليهِ بِحَقِّ ربِ مُحَمَّدِ
يتبع بإذن الله.....
#يوميات_فاشل
#الحلقة_الخامسة
#بقلم_جاد_الحق





j.a.h

هناك تعليقان (2):