تمشي تجاه مدرج المحاضرة و أنت منقبض القلب كطفل ينتظر أن يأتيه دور ضرب الإبرة ، تصل المدرج الذي لم يمتلئ سوى نصفه بعد ذلك لأن الساعة لا تزال السابعة و خمسون دقيقة أي أنك و لحظك السعيد استطعت أن تصل مبكرا هذه المرة عشر دقائق كاملة قبل بدء المحاضرة ذاك بحد ذاته فتح مبين و رقم قياسي آخر تسجله هذا اليوم.
عندما تدخل باب المدرج تقوم بعمل مسح بصري كامل لترى مكانا مناسبا للجلوس ،
طبعا بعد المكان عن السبورة و الدكتور المحاضر هو شرط لازم لجعل المكان مناسب و لكنه غير كافي أما الشرط اللازم و الكافي لجعل المكان مناسب هو هي ، نعم هي ، أن يكون المكان قريبا منها بحيث تستطيع رؤيتها بعيدا عنها بحيث هي لا تلحظ ذلك ، و لكن مسحك البصري يعود إليك بنتيجة سلبية لأنها ببساطة ليست في المدرج!
يا إلهي إنها الكارثة التي ليس لها من دون الله كاشفة!
هل يعقل أن تأتي أنت باكرا و تتأخر هي!؟ إذا فقصة الأطفال عن السلحفاة التي سبقت الأرنب ليست خيالية تماما بل هي واقعية لحد كبير.
تجلس في مقعد من الصفوف الخلفية قلقا كأن الريح تحتك كما يقول المتنبي
أين هي؟ هل حدث معها طارئ ما أو مشكلة لا قدر الله؟ هل هي المواصلات اللعينة التي يجب أن تركبها من عصور ما قبل التاريخ لتصل موعدك؟ هل هي مريضة؟ هل هل هل؟؟؟؟؟ علامات استفهام و أسئلة تخنقك و خواطر شيطانية تتأرجح بين الغيرة و القلق تحرق أعصابك ، إنها من أتعس لحظات حياتك ذلك لأن غيابها يشعرك بنقطة ضعفك الوحيدة و نقطة ضعفك الوحيدة هي هي.
نقطة ضعفك الوحيدة هي أنك تحبها و لكن تأبى الاعتراف لنفسك و من حولك بهذا.
تمر اللحظات بطيئة و المدرج قد امتلئ تقريبا ثم يدخل هادم اللذات و مفرق الجماعات لا ليس ملك الموت هذه المرة بل هو أشد من ذلك إنه الدكتور المحاضر.
طبعا هذا الدكتور من محاسنه القليلة و الفريدة بين أبناء فصيلته من باقي الدكاترة الجامعيين هي أنه يسمح بدخول المتأخرين و بدأ بالإعطاء قبل حتى أن يحاول تصنع اللطافة و يلقي التحية يتكلم و يتكلم و يتكلم و أنت تراه من غير أن تراه و تسمعه من غير أن تسمعه لأن عالمك قد اقتصر على شيئين فقط باب المدرج التي قد تدخل منه هي ، و هي.
الساعة الثامنة و اثنتان و أربعون دقيقة فقدت الأمل و أنت على وشك أن تسلم الروح لبارئها و حينها فقط حدثت المعجزة.
دق الباب دقا خفيفا ثم فتح فتحا لطيفا و دخلت هي كنسمة من جنة الفردوس
و هنا فقط تشعر أن صاعقة الحياة قد ضربت كيانك كله
هنا تشعر أن دماغك قد رفع الجاهزية للدرجة القصوى و أن قلبك قد أعلن النفير العام و روحك قد خرجت منك لتمد لها بساط الترحيب و تعزف لحن الحب طربا بها
هنا فقط تشعر أنك على وشك أن تقفز من مكانك لتمسك عنقها و تخنقها و تصيح بها أين كنتي يا مجرمة يا مستبدة لقد كدت أن أجن فرقا عليكي!
طبعا كما قيل من الحب ما قتل لكننا نفهم العبارة أن الحب قتل المحب رغم أن معناها أن معناها كما فهمته أنت من حبها أن من الحب ما دفع الحبيب لقتل المحبوب حتى يرتاح من حبه ثم يقتل نفسه حبا به أن لا يفارقه.
طبعا كل هذه العواصف من العواطف تجري داخلك خلال ثانية لم تكن كافية لها لإغلاق الباب و الدخول بعد.
تدخل و هي خجلى حتى تكاد تظن أن خديها من تحت نقابها قد أوشكا على الانفجار من شدة احتقانهما ، لكن عفوا هل قلنا نقاب؟
نعم نقاب إنها منقبة لا يبرز منها إلا عيناها ،
عيناها فقط ، عيناها اللتان كانتا تشعان عفة و حياء و دينا.
تمشي على استحياء تبحث عن مكان لتجلس فيه إنها تقترب من مكانك و هنا تشعر أن الطير تتخطف قلبك إنها تقترب أكثر ثم تجلس في نفس صف المقاعد الذي تجلس فيه و تدع مسافة بينك و بينها حوالي ست مقاعد ،
هذه المسافة على بعدها نسبيا أقرب مسافة كانت بينكما مذ رأيتها أول مرة.
تضع حقيبتها أمامها لتخرج منها كراسها و قلما معه لكن هل حقا جلوسها المصادف قريبا منك جعلك تصبح عبقريا!؟ هل فجأة اكتشفت نفسك أنك تعي ما يقول الدكتور بل و تراه مهما لدرجة تدفعك للإصغاء له و الإجابة على أسئلته و مناقشته بل و حتى تصحيح بعض أخطائه؟ هل الحب يجعل الإنسان عبقريا فجأة أم أنه الرغبة في لفت نظر من يحب؟
انتبهاك المفرط و نشاطك المفاجئ جعلاك محل استغراب الدكتور و الطلبة على حد سواء ، الكل يتسائل ماذا جرى له فجأة؟ هل للمخدرات هذا التأثير؟ أم أنه نسي أخذ حبة الدواء اليوم؟
يتبع بإذن الله.....
#يوميات_فاشل
#الحلقة_الرابعة
#بقلم_جاد_الحق
j.a.h
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق