إذا ها أنت ذا وضعت المفتاح في القفل و أدرته بلطف لتفتح الباب ، تدفع الباب بروية كأنك لص يتسلل ، و فيما أنت تطبق الباب برفق كي لا تنبه أحد بقدومك و إذ تدير ظهرك لترى ست الحبايب ترمقك بنظرتها النارية الاشمئزازية المعتادة منذ حوالي الأربع أعوام لدرجة جعلتك تشك في قدرتها على الابتسام على الأقل في وجهك.
تلقي السلام و أنت تصطنع ابتسامة ودية في محاولة منك لإطفاء نيران الشر.
وليتك ما فعلت ، هنا يبدأ الموشح المعتاد من نبع الحنان موشح خليط من السباب و الشتائم و الصراخ و الدعوات بالغضب عليك و المسخ لك و الموت القريب و العاجل ، هنا أنت أمام ثلاث خيارات:
الأول أن ترد على النار بالنار لتخبرك الوالدة بأنك عاق و مغضوب و عديم الدين و الأخلاق.
الثاني أن تأخذ الأمور بحس فكاهي و رحابة صدر و كأنه تعبير لا إرادي عن موجة غضب عابرة لتخبرك الوالدة حينها أنك قليل الأدب عديم المشاعر لأنك تستهزئ بها و بمشاعرها.
الثالث و هو ما تفعله دوما أن تتعامل مع الموقف بلا مبالاة و كأنه لا يجري و ليس هنالك أحد في المشهد إلا أنت ، هنا تكون ردة فعل الوالدة الغالية مزيج من الحالة الأولى و الثانية.
تخلع حذاءك و تتجه لغرفتك و تغلق الباب بتشديد اللام كما غلقت امرأة العزيز الأبواب ، طبعا الغاية من تغليق الباب هي صد محاولات اقتحام الغرفة من الوالدة العزيزة ، فتكتفي هي كالعادة بالبقاء خارجا لتكمل البهدلة اليومية المعتادة حتى آخر نقطة و أنت تتلو قول الله تعالى و ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب.
و أخيرا انتهت و ذهبت لتكمل ما لديها من مهام ، هنا تتنهد بعمق و تغير ثيابك و تدخل عالمك الخاص ذاك المنفذ الوحيد الذي تهرب منه من كل همومك و المتمثل بسريرك و حاسبك الشخصي.
طبعا لست من هواة و لا مدمني الإنترنت بل أنت مدمن لما هو أعظم و أشد خطرا أنت مدمن على ما لو عرف الطغاة أثره لقتلوه كأبشع ما يقتلون معارضيهم لكنهم و لله الحمد و الشكر أغبى من ذلك
أنت مدمن على القراءة.
القراءة جنتك الأرضية و مخدراتك التي لا تقلع و لا تتوب عنها ، حتى كلما قرأت أو سمعت وصف الجنة في القرآن لا تتخيلنها دون كتب.
تجلس لتطالع كنزك الثمين من الكتب و تقف لحظات طويلة جميلة لتختار ما تقرأ.
هل تذهب مع ابن إسحاق لتعيش معه سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، أم هل تجلس مع الإمام الشافعي في حلقته العلمية لتنهل منه الفقه ، أم لعلك تتمشى مع ابن خلكان و ابن الأثير في روضات التاريخ ، بل لما لا تركب الدراجة النارية مع جيفارا و تطوف في أميركا الجنوبية و نضالها ضد الإمبريالية ، لتمر بهذه الرحلة بماركس و لينين و ستالين و غيرهم من أقطاب اليسارية ، أم هل تبحر مع سيبويه و الفيروز آبادي و الثعالبي في بحر اللغة العربية الذي لا ساحل له ، و تعرج على المتنبي و حسان بن ثابت و البحتري و أبي تمام ، أم لعلك تركب الخيل مع ملوك بني عثمان و تقرأ تاريخهم المجيد المفترى عليه الذي حموا فيه بيضة الدين طوال أربعمائة سنة من الفتح و التمكين ، لا تنسى أن تمر برياض الصالحين للنووي رحمه الله ، وتقطعها لمجلس الجاحظ يحدثك بأخبار البخلاء ثم ابن الجوزي و حديثه الشائق عن أخبار الأذكياء و الحمقى ، ثم تخرج مسرعا من باب الشرق لباب الغرب لتجد السير آرثر كونان دويل و هو يكتب إحدى فصول روائعه من مغامرات شارلوك هولمز ، تدع السير آرثر منهمكا دون أن تقاطعه لتذهب مسرعا للسيدة أجاثا كريستي ملكة الروايات البوليسية لكنك لا تجدها بسبب إجازتها في الشرق لتكتب عن جرائم حصلت فيه ، تجد فقط السيد هيركول بوارو يأخذك في مغامرة لحل لغز عقد شرطة اسكوتلنديارد ، ولكن لحظة متى وصلت أفغانستان و جلست مع إمام المجاهدين عبد الله عزام ليحدثك عن آيات الرحمن في جهاد الأفغان ، و بما أنك دخلت رواق الفكر الإسلامي فلا تنس ان تلقي التحية على ركنه المشيد سيد قطب الذي رفض من سبابته التي تشهد لله بالوحدانية أن تكتب ظلما لطاغية ، ثم بعد هذه الجولة المتعرجة بين أقطاب الفكر الإنساني تقرر أن تذهب مع العجوز رفعت إسماعيل بطل كاتبك المفضل أحمد خالد توفيق في قصة رعب جديدة لا تدري هل تقابل بها مسخا أو شيطانا أو زومبيا أو مصاص دماء.
يتبع بإذن الله......
#يوميات_فاشل
#الحلقة_الثامنة
#بقلم_جاد_الحق
j.a.h
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق